ابن أبي الحديد

93

شرح نهج البلاغة

( 5 ) الأصل : العلم وراثة كريمة ، والآداب حلل مجددة والفكر مرآة صافية . * * * إنما قال : " العلم وراثة " لان كل عالم من البشر إنما يكتسب علمه من أستاذ يهذبه وموقف يعلمه ، فكأنه ورث العلم عنه كما يرث الابن المال عن أبيه ، وقد سبق منا كلام شاف في العلم والأدب . وكان يقال : عطيه العالم شبيهة بمواهب الله عز وجل ، لأنها لا تنفد عند الجود بها وتبقى بكمالها عند مفيدها . وكان يقال : الفضائل العلمية تشبه النخل ، بطئ الثمرة ، بعيد الفساد . وكان يقال : ينبغي للعالم ألا يترفع على الجاهل ، وأن يتطامن له بمقدار ما رفعه الله عليه ، وينقله من الشك إلى اليقين ، ومن الحيرة إلى التبيين ، لان مكافحته قسوة والصبر عليه وإرشاده سياسة . ومثاله قول بعض الحكماء : الخير من العلماء من يرى الجاهل بمنزلة الطفل الذي هو بالرحمة أحق منه بالغلظة ، ويعذره بنقصه فيما فرط منه ولا يعذر نفسه في التأخر عن هدايته .